(1)
عائشة.. فتاة تقترب من الثلاثين من عمرها..*
تعمل في إحدى المكتبات العامة..
تخرج من بيتها في الصباح الباكر..
تمتطي قدميها وتمشي مشية فيها سكينة...
لكنها تمشي وفي ظهرها انحناءة تركها عليها شظف العيش ومرارة زواج لم يدم طويلا.. تركها مكسورة، وكل ذنبها أنها لم تنجب طفلاً وهي التي لم يمض على زواجها سوى ثلاث سنوات..
تجلس عائشة على مكتبها والحزن يكسو وجهها الجميل، وفي قلبها غليان تبثه عيناها كمشهد درامي طويل، هي وحدها من تتنهد بألمها، ووجعها، فوالدها فارق الحياة بعد زواجها بعام واحد، وكان مطمئناً أنه أودع فلذة كبده عند رجل، وأمها امرأة مسنة يكاد الذبول يخطف منها مشيتها وزهرتها.. وأشقاؤها الثلاثة ما زالوا صغاراً.
وبالرغم من ذلك كله..
فعائشة ما تزال روحها جميلة وثابة، ولديها طموح أن تكمل دراستها الجامعية التي تركتها بسبب الزواج..
وفي طريقها إلى عملها ذهاباً وإياباً اعتاد أن يعترضها كل يوم طفل صغير اسمه "علي" يبلغ من العمر 8 سنوات يتكلم معها عن المدرسة وعرفت فيما بعد أنه متأخر دراسيا بسبب ظروفه الصعبة وظروف أمه الصحية، فقررت جميلة أن تمضي معه في طريق رجوعها ساعة من الوقت تدرسه وتعلمه لما رأت من حرصه وحسرته، وهي المؤمنة بأن الحياة للجميع، وكلنا نحب الحياة، لعلها تنجح في صنع فرحة لهذا الطفل الصغير.
نظمت عائشة أمرها وأخبرت والدتها وقد سرها ما تروم عائشة، فجلبت معها حقيبة خاصة لـ "علي" فيها كل ما يحتاجه من لوازم المدرسة، وبدأت تعطيه كل يوم درساً إما في القراءة أو الرياضيات أو العلوم وهكذا حتى بدا يتحسن مستواه، ويحصل على علامات عالية، وكانت معلمات "علي" يسألنه عن سبب ذلك، فيقول لهم:*
- إن عمتي عائشة تدرسني كل يوم.. وتمازحني.. وتحكي لي قصصاً جميلة.. عمتي تعرف كل شيء، وتجيبني عن كل أسئلتي.. يا رب احفظ عمتي عائشة..
فتحمست المعلمات أن يتعرفن إلى عمة "علي" عائشة، فأرسلن إليها بطاقة دعوة خاصة بيد "علي" يدعوونها إلى المدرسة وكن قد أعددن لها حفلة صغيرة احتفاء بها وبدورها في رفع مستوى هذا الطالب، فجمعت مدير المدرسة كل المعلمات في غرفة الاجتماعات، وهناك طلبن من عائشة أن تقول شيئاً بهذه المناسبة، فترددت جميلة، وغلب حياؤها جرأتها، لكن المعلمات ألححن عليها وأخذن يصفقن لها تشجيعاً، حتى نهضت على مضض وقد أحمر وجهها خجلا، ثم قالت:*


إن هذه الحياة أرض للزارعين..
فمن يزرع الخير يحصد الخير ..
ومن يزرع الشر لا يحصد إلا الشر..
كلنا نحب الحياة،*
ونسعى أن نكون الأفضل دائماً،*
ونهرع حيث يقال هناك سعادة..
لكني وجدت السعادة لايمنعها فراق..
ولايحول دونها وجع..
فلطالما تنبع السعادة من الداخل..
وكل واحد فينا ..*
لديه ربيع في داخله..
ونحن بأيدينا من نجعله يزهر..
لكننا أحياناً نخفيه بالخجل، ونواريه بالكسل..
وننهزم أحياناً بسبب تبعات الثمن..
وهل في الحياة شيء بلا ثمن..
فأنا ربيعي يزهر مع أمي وأخوتي..
وربيعي يزهر مع "علي" حين أرى ابتسامته العريضة ..
وفرحته الغامرة عندما يحصل على علامات عالية..
هنالك يزهر كل شيء.. كل شيء..
عناقيد الفرح .. في حفظ عهد.. وإطعام جائع..
بلسم الجراح في بر أم .. وإعانة يتيم..
أيتها الفاضلات إن ربيعنا في قلوبنا ..*
فنحن نشعر بالسعادة حينما نصنعها للآخرين..
فلا تغلق باباً دون الربيع..
فهو آت .. ولا ريب..
وهو مزهر حتماً..
فربيعك يزهر بين يديك..

فما أن انتهت جميلة من هذه الكلمات حتى عانقتها مديرة المدرسة وقد افتلتت منها بعض الدموع، وتبعنها معلمات المدرسة يعانقن عائشة بحفاوة وتشجيع، ثم قدمن لها شهادة تقديرية مع هدية رمزية كان مخبوءة في ظرف أبيض وعليه عبارة: إلى الجميلة عائشة.. صانعة الفرح .. وذيلنها بتوقيع : من معلمات "علي".
عادت عائشة إلى دارها وفرحتها لاتسعها الدنيا، فقد شعرت بالتقدير، وهو أهم من المال والمتاع، دخلت على أمها لتعانقها عناقاً طويلاً فتستغرب الأم من فعل عائشة، وتسألها:*
-إيش يا عائشة .. ما الذي تغير؟
تجيبها عائشة:

يا أمي .. اليوم ذهبت الى مدرسة علي وقد احتلفت بي المعلمات وطلبوا مني أن اتحدث إليهم، ففعلت، يا أمي أشعر أن لون الحياة تبدل، وطعمها تغير، فهي عائشة كجمال "علي" ونقية كنقاء براءته، أنا يا أمي سعيدة لأني أدخلت السعادة على قلب طفل صغير.. ياااه كم هو شعور جميل... اللهم تقبل مني ذلك... يااااااا رب.

هكذا تضمحل لحظات الحزن بلمح البصر، حينما تشرق شمس الحياة ببشاراتها الجميلة، وتغدق على الأنقياء بنسائمها وعطورها، وتصنع على وجوه البسطاء أمجاد الفرح ولون الرضا وعبق الطمأنينة.
كان ذلك اليوم نقطة البداية التي منحتها القدرة الإلهية للفتاة البسيطة "عائشة" ولم تنته المفاجات السارة، فبعد ثلاثة أيام حدثت حكاية لطيفة أخرى لعائشة.. فشعرت أن الكون كله بدأ يمنحها السعادة والفرح، ولعلنا نلتقيكم قريبا بحكايتها الجديدة.. فانتظرونا...