#مقال| لحظة لبقاء الودّ

✍بقلم /منى البلوشي

قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ }
التغافل صفة من صفات الكرماء الذين ينأون عمّا قد يوقع العداوة بينهم وبين من لا يودون فقدانهم..

فموقف رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما أخبر زوجه حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة أم المؤمنين معاتباً لها،ولكنه لم يخبرها بجميع ما حصل منها حياءً منه وكرماً ،

فإِنه من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب، فرسولنا الكريم قدوتنا في جميع الصفات الأخلاقية والقيم

وقال الحسن البصري رحمه الله:" ما زال التغافل من فعل الكرام "
ويقول الإمام أحمد رحمه الله:" تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل "
فلا يخلو شخص من نقص، ومن المستحيل يجد كل ما يريده أحدنا في الطرف الآخر كاملاً..
كما أنه لا يكاد يمر وقت دون أن يشعر أحدنا بالضيق من تصرف قام به أحدهم .

ولهذا على كل واحد منا تقبل الطرف الآخر والتغاضي عما لا يعجبه فيه من صفات، أو طبائع
فالأحداث تتجدد وكذلك المواقف وكل يوم ونحن نصادف أحداثاً ومواقفا ربما تزعجنا وتسلب راحتنا ..

فلابد أن تكون صفة التغافل صفة من صفاتنا اليومية التي اعتبرها فناً من فنون الحياة هكذا لابدّ أن تعلمنا الحياة،

فلولاها لفقدنا الكثير من الودّ والمحبة وبدونها لن يبقى لك صديق ولا أخ ولا قريب فكثير من الإستهزاءات التي يتعرض لها المرء ويمسك غيضه خوفا من أن تكبر تلك الكلمة التي نُطقت وقيلت بسبب أو بدون سبب ، فلنحرص ولنراعي الأطراف ولنحسن بقلوب بعض ولنعفو ونصفح بقدر المستطاع..

فالتغافل صفة لا يعرف طريقها سوى أصحاب النفوس الراقية، التي تترفع عن شعور قد تحدثه وربما اعتذار يُستصعب أو خدش مشاعر ..

فكن كرسالة حب وودّ لا تهدمها الهفوات ولاتكسرها كبرياء ، فأنت بذاتك رسالة توصلها للجميع بأنك قدوة لهم
ولقد ضرب نبي الله يوسف عليه السلام أروع الأمثلة في ذلك عندما تغافل عن تطاول إخوته في حقه فقال تعالى: ﴿ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾
فارجع قليلا بذاكرتك للخلف واسترجع بعضا من ذلك الشريط الذي مرّ عليك ،انظر له كم من المرات التي راجعت بها نفسك والتي شعرت بها بنشوة الفرح والسعادة عندما لم تقل عمّا تودّ قوله
فكل هذا بنيته في سنوات لا تهدمه في دقيقة ولحظة تعقبها ندم..